فصل: تفسير سورة الأعراف

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن **


تفسير سورة الأعراف

‏{‏المص كِتَابٌ أُنزِلَ إِلَيْكَ فَلاَ يَكُن فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِّنْهُ لِتُنذِرَ بِهِ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ اتَّبِعُواْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكُم مِّن رَّبِّكُمْ وَلاَ تَتَّبِعُواْ مِن دُونِهِ أَوْلِيَاء قَلِيلاً مَّا تَذَكَّرُونَ‏}‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏فَلاَ يَكُن فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِّنْهُ‏}‏‏.‏

قال مجاهد، وقتادة، والسدي‏:‏ ‏{‏حرج‏}‏ أي شك‏.‏ أي لا يكن في صدرك شك في كون هذا القرآن حقًا، وعلى هذا القول فالآية، كقوله تعالى‏:‏ ‏{‏الْحَقُّ مِن رَّبِّكَ فَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ‏}‏ وقوله‏:‏ ‏{‏الْحَقُّ مِن رَّبِّكَ فَلاَ تَكُن مِنَ الْمُمْتَرِينَ‏}‏ ، وقوله‏:‏ ‏{‏فَإِن كُنتَ فِي شَكٍّ مِّمَّا أَنزَلْنَا إِلَيْكَ فَاسْأَلِ الَّذِينَ يَقْرَؤُونَ الْكِتَابَ مِن قَبْلِكَ لَقَدْ جَاءكَ الْحَقُّ مِن رَّبِّكَ فَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ‏}‏‏.‏

والممتري‏:‏ هو الشاك‏.‏ لأنه مفتعل من المرية وهي الشك، وعلى هذا القول فالخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم‏.‏

والمراد نهى غيره عن الشك في القرآن، كقول الراجز‏:‏

* إياك أعني واسمعي يا جارة *

وكقوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَلا تُطِعْ مِنْهُمْ آثِمًا أَوْ كَفُورًا‏}‏، وقوله‏:‏ ‏{‏وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ‏}‏، وقوله‏:‏ ‏{‏وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُم‏}‏‏.‏

ومعلوم أنه صلى الله عليه وسلم لا يفعل شيئًا من ذلك، ولكن الله يخاطبه ليوجه الخطاب إلى غيره في ضمن خطابه صلى الله عليه وسلم‏.‏

وجمهور العلماء‏:‏ على أن المراد بالحرج في الآية الضيق‏.‏ أي لا يكن في صدرك ضيق عن تبليغ ما أمرت به لشدة تكذيبهم لك، لأن تحمل عدواة الكفار، والتعرض لبطشهم مما يضيق به الصدر، وكذلك تكذيبهم له صلى الله عليه وسلم مع وضوح صدقه بالمعجزات الباهرات مما يضيق به الصدر‏.‏ وقد قال صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏إذا يثلغوا رأسي فيدعوه خبزة‏"‏، أخرجه مسلم‏.‏ والثلغ‏:‏ الشدخ وقيل ضرب الرطب باليابس حتى ينشدخ، وهذا البطش مما يضيق به الصدر‏.‏

ويدل لهذا الوجه الأخير في الآية قوله تعالى‏:‏ ‏{‏فَلَعَلَّكَ تَارِكٌ بَعْضَ مَا يُوحَى إِلَيْكَ وَضَآئِقٌ بِهِ صَدْرُكَ‏}‏، وقوله‏:‏ ‏{‏وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِمَا يَقُولُونَ‏}‏، وقوله‏:‏ ‏{‏فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَّفْسَكَ عَلَى آثَارِهِمْ إِن لَّمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الْحَدِيثِ أَسَفًا‏}‏ وقوله‏:‏ ‏{‏لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَّفْسَكَ أَلاَّ يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ‏}‏‏.‏

ويؤيد الوجه الأخير في الآية أن الحرج في لغة العرب‏:‏ الضيق‏.‏ وذلك معروف في كلامهم، ومنه قوله تعالى‏:‏ ‏{‏لَيْسَ عَلَى الأَعْمَى حَرَجٌ‏}‏ ، وقوله‏:‏ ‏{‏وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ‏}‏ ، وقوله‏:‏ ‏{‏يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا‏}‏ أي شديد الضيق إلى غير ذلك من الآيات، ومنه قول عمر بن أبي ربيعة، أو جميل‏:‏ فخرجت خوف يمينها فتبسمت فعلمت أن يمينها لم تحرج

وقول العرجي‏:‏ عوجي علينا ربة الهودج إنك إلا تفعلي تحرجي

والمراد بالإحراج في البيتين‏:‏

الإدخال في الحرج‏.‏ بمعنى الضيق كما ذكرنا‏.‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏كِتَابٌ أُنزِلَ إِلَيْكَ فَلاَ يَكُن فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِّنْهُ لِتُنذِرَ بِهِ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ‏}‏‏.‏

لم يبين هنا المفعول به لقوله لتنذر، ولكنه بينه في مواضع أخر كقوله‏:‏ ‏{‏وَتُنذِرَ بِهِ قَوْمًا لُّدًّا‏}‏، وقوله‏:‏ ‏{‏لِتُنذِرَ قَوْمًا مَّا أُنذِرَ آبَاؤُهُمْ فَهُمْ غَافِلُونَ‏}‏، إلى غير ذلك من الآيات‏.‏ كما أنه بين المفعول الثاني للإنذار في آيات أخر، كقوله ‏{‏لِّيُنذِرَ بَأْسًا شَدِيدًا مِن لَّدُنْهُ‏}‏، وقوله‏:‏ ‏{‏فَأَنذَرْتُكُمْ نَارًا تَلَظَّى‏}‏، وقوله‏:‏ ‏{‏إِنَّا أَنذَرْنَاكُمْ عَذَابًا قَرِيبًا‏}‏، إلى غير ذلك من الآيات‏.‏

وقد جمع تعالى في هذه الآية الكريمة بين الإنذار والذكرى في قوله‏:‏ ‏{‏لِتُنذِرَ بِهِ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ‏}‏ فالإنذار للكفار، والذكرى للمؤمنين، ويدل لذلك قوله تعالى‏:‏ ‏{‏فَإِنَّمَا يَسَّرْنَاهُ بِلِسَانِكَ لِتُبَشِّرَ بِهِ الْمُتَّقِينَ وَتُنذِرَ بِهِ قَوْمًا لُّدًّا‏}‏، وقوله‏:‏ ‏{‏وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنفَعُ الْمُؤْمِنِينَ‏}‏، وقوله‏:‏ ‏{‏فَذَكِّرْ بِالْقُرْآنِ مَن يَخَافُ وَعِيدِ‏}‏‏.‏

ولا ينافي ما ذكرنا من أن الإنذار للكفار، والذكرى للمؤمنين‏.‏ أنه قصر الإنذار على المؤمنين دون غيرهم في قوله تعالى‏:‏ ‏{‏إِنَّمَا تُنذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ وَخَشِيَ الرَّحْمَن بِالْغَيْبِ فَبَشِّرْهُ بِمَغْفِرَةٍ وَأَجْرٍ كَرِيمٍ‏}‏ ‏.‏ لأنه لما كان الانتفاع بالإنذار مقصورًا عليهم، صار الإنذار كأنه مقصور عليهم، لأن ما نفع فيه فهو كالعدم‏.‏

ومن أساليب اللغة العربية‏:‏ التعبير عن قليل النفع بأنه لا شيء‏.‏

وحاصل تحرير المقام في هذا المبحث‏:‏ أن الإنذار يطلق في القرآن إطلاقين‏.‏

أحدهما‏:‏ عام لجميع الناس كقوله‏:‏ ‏{‏يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ قُمْ فَأَنذِرْ‏}‏، وقوله‏:‏ ‏{‏تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا‏}‏‏.‏

وهذا الإنذار العام‏:‏ هو الذي قصر على المؤمنين قصرًا إضافيًا في قوله‏:‏ ‏{‏إِنَّمَا تُنذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ‏}‏ الآية‏.‏ لأنهم هم المنتفعون به دون غيرهم‏.‏

والثاني‏:‏ إنذار خاص بالكفار لأنهم هم الواقعون فيما أنذروا به من النكال والعذاب، وهو الذي يذكر في القرآن مبينًا أنه خاص بالكفار دون المؤمنين كقوله‏:‏ ‏{‏وَتُنذِرَ بِهِ قَوْمًا لُّدًّا‏}‏، وقوله هنا‏:‏ ‏{‏لِتُنذِرَ بِهِ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ‏}‏ اهـ‏.‏

والإنذار في اللغة العربية‏:‏ الإعلام المقترن بتهديد، فكل إنذار إعلام، وليس كل إعلام إنذارًا‏.‏

‏{‏وَكَم مِّن قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا فَجَاءهَا بَأْسُنَا بَيَاتًا أَوْ هُمْ قَآئِلُونَ فَمَا كَانَ دَعْوَاهُمْ إِذْ جَاءهُمْ بَأْسُنَا إِلاَّ أَن قَالُواْ إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ فَلَنَسْأَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْأَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ فَلَنَقُصَّنَّ عَلَيْهِم بِعِلْمٍ وَمَا كُنَّا غَآئِبِينَ‏}‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَكَم مِّن قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا فَجَاءهَا بَأْسُنَا بَيَاتًا أَوْ هُمْ قَآئِلُونَ‏}‏‏.‏

خوف الله تعالى في هذه الآية الكريمة الكفار الذين كذبوه صلى الله عليه وسلم، بأنه أهلك كثيرًا من القرى بسبب تكذيبهم الرسل، فمنهم من أهلكها بياتًا أي ليلًا، ومنهم من أهلكها وهم قائلون، أي في حال قيلولتهم، والقيلولة‏:‏ الاستراحة وسط النهار‏.‏ يعني‏:‏ فاحذروا تكذيب رسولي صلى الله عليه وسلم لئلا أنزل بكم مثل ما أنزلت بهم، وأوضح هذا المعنى في آيات أخر كقوله‏:‏ ‏{‏وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِّن قَبْلِكَ فَحَاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنْهُم مَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُون‏}‏، وقوله‏:‏ ‏{‏فَكَأَيِّن مِّن قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا وَهِيَ ظَالِمَةٌ فَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا وَبِئْرٍ مُّعَطَّلَةٍ وَقَصْرٍ مَّشِيدٍ‏}‏، وقوله‏:‏ ‏{‏وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِن قَرْيَةٍ بَطِرَتْ مَعِيشَتَهَا فَتِلْكَ مَسَاكِنُهُمْ لَمْ تُسْكَن مِّن بَعْدِهِمْ إِلاَّ قَلِيلاً وَكُنَّا نَحْنُ الْوَارِثِينَ‏}‏، وقوله‏:‏ ‏{‏أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَيَنظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ دَمَّرَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلِلْكَافِرِينَ أَمْثَالُهَا‏}‏، ثم بين أنه يريد تهديدهم بذلك بقوله‏:‏ ‏{‏وَلِلْكَافِرِينَ أَمْثَالُهَا‏}‏ إلى غير ذلك من الآيات‏.‏

وقد هدد تعالى أهل القرى بأن يأتيهم عذابه ليلًا في حالة النوم، أو ضحى في حالة اللعب، في قوله تعالى‏:‏ ‏{‏أَفَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَن يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا بَيَاتاً وَهُمْ نَآئِمُونَ أَوَ أَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَن يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا ضُحًى وَهُمْ يَلْعَبُونَ‏}‏ ‏.‏ وهدد أمثالهم من الذين مكروا السيئات بقوله تعالى‏:‏ ‏{‏أَفَأَمِنَ الَّذِينَ مَكَرُواْ السَّيِّئَاتِ أَن يَخْسِفَ اللَّهُ بِهِمُ الأَرْضَ أَوْ يَأْتِيَهُمُ الْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لاَ يَشْعُرُونَ أَوْ يَأْخُذَهُمْ فِي تَقَلُّبِهِمْ فَمَا هُم بِمُعْجِزِينَ أَوْ يَأْخُذَهُمْ عَلَى تَخَوُّفٍ فَإِنَّ رَبَّكُمْ لَرؤُوفٌ رَّحِيمٌ‏}‏ ‏.‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏فَمَا كَانَ دَعْوَاهُمْ إِذْ جَاءهُمْ بَأْسُنَا إِلاَّ أَن قَالُواْ إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ‏}‏‏.‏

وبين تعالى في هذه الآية الكريمة أن تلك القرى الكثيرة التي أهلكها في حال البيات، أو في حال القيلولة، لم يكن لهم من الدعوى إلا اعترافهم بأنهم كانوا ظالمين‏.‏

وأوضح هذا المعنى في قوله‏:‏ ‏{‏وَكَمْ قَصَمْنَا مِن قَرْيَةٍ كَانَتْ ظَالِمَةً وَأَنشَأْنَا بَعْدَهَا قَوْمًا آخَرِينَ فَلَمَّا أَحَسُّوا بَأْسَنَا إِذَا هُم مِّنْهَا يَرْكُضُونَ لا تَرْكُضُوا وَارْجِعُوا إِلَى مَا أُتْرِفْتُمْ فِيهِ وَمَسَاكِنِكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْأَلُونَ قَالُوا يَا وَيْلَنَا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ فَمَا زَالَت تِّلْكَ دَعْوَاهُمْ حَتَّى جَعَلْنَاهُمْ حَصِيدًا خَامِدِينَ‏}‏ ‏.‏

قال ابن جرير ـ رحمه الله ـ في هذه الآية الدلالة الواضحة على صحة ما جاءت به الرواية عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ‏"‏ما هلك قوم حتى يعذروا من أنفسهم‏"‏ حدثنا بذلك ابن حميد‏.‏ حدثنا جرير عن أبي سنان عن عبد الملك بن ميسرة الزراد قال‏:‏ قال عبد الله بن مسعود‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏ما هلك قوم حتى يعذروا من أنفسهم‏"‏ قال‏:‏ قلت لعبد الله كيف يكون ذلك‏؟‏ قال‏:‏ فقرأ هذه الآية ‏{‏فَمَا كَانَ دَعْوَاهُمْ إِذْ جَاءهُمْ بَأْسُنَا إِلاَّ أَن قَالُواْ إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ‏}‏ ‏.‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏فَلَنَسْأَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْأَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ‏}‏‏.‏

لم يبين هنا الشيء المسؤول عنه المرسلون، ولا الشيء المسؤول عنه الذين أرسل إليهم‏.‏

وبين في مواضع أخر أنه يسأل المرسلين عما أجابتهم به أممهم، ويسأل الأمم عما أجابوا به رسلهم‏.‏

قال في الأول‏:‏ ‏{‏يَوْمَ يَجْمَعُ اللَّهُ الرُّسُلَ فَيَقُولُ مَاذَا أُجِبْتُمْ قَالُواْ لاَ عِلْمَ لَنَا إِنَّكَ أَنتَ عَلاَّمُ الْغُيُوبِ‏}‏ ‏.‏

وقال في الثاني‏:‏ ‏{‏وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ مَاذَا أَجَبْتُمُ الْمُرْسَلِينَ‏}‏‏.‏

وبين في موضع آخر أنه يسأل جميع الخلق عما كانوا يعلمون، وهو قوله تعالى‏:‏ ‏{‏فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِيْنَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ‏}‏‏.‏

وهنا إشكال معروف‏:‏ وهو أنه تعالى قال هنا‏:‏ ‏{‏فَلَنَسْأَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْأَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ‏}‏، وقال أيضًا‏:‏ ‏{‏فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِيْنَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ‏}‏، وقال‏:‏ ‏{‏وَقِفُوهُمْ إِنَّهُم مَّسْئُولُونَ‏}‏، وهذا صريح في إثبات سؤال الجميع يوم القيامة، مع أنه قال‏:‏ ‏{‏وَلا يُسْأَلُ عَن ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ‏}‏، وقال‏:‏ ‏{‏فَيَوْمَئِذٍ لاَّ يُسْأَلُ عَن ذَنبِهِ إِنسٌ وَلا جَانٌّ‏}‏‏.‏

وقد بينا وجه الجمع بين الآيات المذكورة في كتابنا ‏(‏دفع إيهام الاضطراب عن آيات الكتاب‏)‏ وسنزيده إيضاحًا هنا إن شاء الله تعالى‏.‏

اعلم أولًا‏:‏ أن السؤال المنفي في الآيات المذكورة‏.‏ أخص من السؤال المثبت فيها‏.‏ لأن السؤال المنفي فيها مقيد بكونه سؤالًا عن ذنوب خاصة‏.‏ فإنه قال‏:‏ ‏{‏وَلا يُسْأَلُ عَن ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ‏}‏ فخصه بكونه عن الذنوب، وقال‏:‏ ‏{‏فَيَوْمَئِذٍ لاَّ يُسْأَلُ عَن ذَنبِهِ إِنسٌ وَلا جَانٌّ‏}‏ فخصه بذلك أيضًا‏.‏ فيتضح من ذلك أن سؤال الرسل والمؤودة مثلًا ليس عن ذنب فعلوه فلا مانع من وقوعه‏.‏ لأن المنفي خصوص السؤال عن ذنب، ويزيد ذلك إيضاحًا قوله تعالى‏:‏ ‏{‏لِيَسْأَلَ الصَّادِقِينَ عَن صِدْقِهِمْ وَأَعَدَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا أَلِيمًا‏}‏، وقوله بعد سؤاله لعيسى المذكور في قوله‏:‏ ‏{‏وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنتَ قُلتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِن دُونِ اللَّهِ قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إِن كُنتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلاَ أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنتَ عَلاَّمُ الْغُيُوبِ‏}‏‏.‏ ‏{‏قَالَ اللَّهُ هَذَا يَوْمُ يَنفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا رَّضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُواْ عَنْهُ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ‏}‏، والسؤال عن الذنوب المنفي في الآيات‏:‏ المراد به سؤال الاستخبار والاستعلام‏.‏ لأنه جل وعلا محيط علمه بكل شيء، ولا ينافي نفي هذا النوع من السؤال ثبوت نوع آخر منه هو سؤال التوبيخ والتقريع‏.‏ لأنه نوع من أنواع العذاب، ويدل لهذا أن سؤال الله للكفار في القرآن كله توبيخ وتقريع كقوله‏:‏ ‏{‏وَقِفُوهُمْ إِنَّهُم مَّسْئُولُونَ مَا لَكُمْ لا تَنَاصَرُونَ‏}‏‏.‏

وقوله‏:‏ ‏{‏أَفَسِحْرٌ هَذَا أَمْ أَنتُمْ لا تُبْصِرُونَ‏}‏ ‏.‏ إلى غير ذلك من الآيات وباقي أوجه الجمع مبين في كتابنا المذكور ـ والعلم عند الله تعالى ـ‏.‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏فَلَنَقُصَّنَّ عَلَيْهِم بِعِلْمٍ وَمَا كُنَّا غَآئِبِينَ‏}‏‏.‏

بين تعالى في هذه الآية الكريمة أنه يقص على عباده يوم القيامة ما كانوا يعملونه في الدنيا، وأخبرهم بأنه جل وعلا لم يكن غائبًا عما فعلوه أيام فعلهم له في دار الدنيا، بل هو الرقيب الشهيد على جميع الخلق، المحيط علمه بكل ما فعلوه من صغير وكبير، وجليل وحقير، وبين هذا المعنى في آيات كثيرة كقوله‏:‏ ‏{‏أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ مَا يَكُونُ مِن نَّجْوَى ثَلاثَةٍ إِلاَّ هُوَ رَابِعُهُمْ وَلا خَمْسَةٍ إِلاَّ هُوَ سَادِسُهُمْ وَلا أَدْنَى مِن ذَلِكَ وَلا أَكْثَرَ إِلاَّ هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا ثُمَّ يُنَبِّئُهُم بِمَا عَمِلُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ‏}‏ ، وقوله‏:‏ ‏{‏يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنزِلُ مِنَ السَّمَاء وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ الرَّحِيمُ الْغَفُورُ‏}‏ وقوله‏:‏ ‏{‏وَمَا تَكُونُ فِي شَأْنٍ وَمَا تَتْلُو مِنْهُ مِن قُرْآنٍ وَلاَ تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلاَّ كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُودًا إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ وَمَا يَعْزُبُ عَن رَّبِّكَ مِن مِّثْقَالِ ذَرَّةٍ فِي الأَرْضِ وَلاَ فِي السَّمَاء وَلاَ أَصْغَرَ مِن ذَلِكَ وَلا أَكْبَرَ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ‏}‏ ‏.‏

تنبيه

في هذه الآية الكريمة الرد الصريح على المعتزلة النافين صفات المعاني، القائلين‏:‏ إنه تعالى عالم بذاته، لا بصفة قامت بذاته، هي العلم، وهكذا في قولهم‏:‏ قادر مريد، حي سميع، بصير متكلم، فإنه هنا أثبت لنفسه صفة العلم بقوله‏:‏ ‏{‏فَلَنَقُصَّنَّ عَلَيْهِم بِعِلْمٍ وَمَا كُنَّا غَآئِبِينَ‏}‏ ونظيره قوله تعالى‏:‏ ‏{‏أَنزَلَهُ بِعِلْمِهِ‏}‏ ‏.‏ وهي أدلة قرآنية صريحة في بطلان مذهبهم الذي لا يشك عاقل في بطلانه وتناقضه‏.‏ قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَالْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ فَمَن ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُوْلَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُواْ أَنفُسَهُم بِمَا كَانُواْ بِآيَاتِنَا يِظْلِمُونَ‏}‏‏.‏

بين تعالى في هذه الآية الكريمة أن وزنه للأعمال يوم القيامة حق أي لا جور فيه، ولا ظلم، فلا يزاد في سيئات مسيء، ولا ينقص من حسنات محسن‏.‏

وأوضح هذا المعنى في مواضع أخر كقوله‏:‏ ‏{‏وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَإِن كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِّنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ‏}‏، وقوله‏:‏ ‏{‏إِنَّ اللَّهَ لاَ يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِن تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِن لَّدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا‏}‏ إلى غير ذلك من الآيات‏.‏

‏{‏وَالْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ فَمَن ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُوْلَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُواْ أَنفُسَهُم بِمَا كَانُواْ بِآيَاتِنَا يِظْلِمُونَ‏}‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏فَمَن ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ‏}‏‏.‏

بين تعالى في هذه الآية الكريمة‏:‏ أن من ثقلت موازينهم أفلحوا، ومن خفت موازينهم خسروا بسبب ظلمهم، ولم يفصل الفلاح والخسران هنا‏.‏

وقد جاء في بعض المواضع ما يدل على أن المراد بالفلاح هنا كونه في عيشة راضية في الجنة، وأن المراد بالخسران هنا كونه في الهاوية من النار، وذلك في قوله‏:‏ ‏{‏فَأَمَّا مَن ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَّاضِيَةٍ وَأَمَّا مَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُمُّهُ هَاوِيَةٌ وَمَا أَدْرَاكَ مَا هِيَهْ نَارٌ حَامِيَةٌ‏}‏ ‏.‏

وبين أيضًا خسران من خفت موازينة بقوله‏:‏ ‏{‏وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُوْلَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنفُسَهُمْ فِي جَهَنَّمَ خَالِدُونَ تَلْفَحُ وُجُوهَهُمُ النَّارُ وَهُمْ فِيهَا كَالِحُونَ‏}‏ إلى غير ذلك من الآيات‏.‏

‏{‏وَلَقَدْ مَكَّنَّاكُمْ فِي الأَرْضِ وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَايِشَ قَلِيلاً مَّا تَشْكُرُونَ وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلآئِكَةِ اسْجُدُواْ لآدَمَ فَسَجَدُواْ إِلاَّ إِبْلِيسَ لَمْ يَكُن مِّنَ السَّاجِدِينَ‏}‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَايِشَ‏}‏‏.‏ لم يبين هنا كيفية هذه المعايش التي جعل لنا في الأرض، ولكنه بين ذلك في مواضع أخر كقوله‏:‏ ‏{‏فَلْيَنظُرِ الإِنسَانُ إِلَى طَعَامِهِ‏}‏ ‏{‏ثُمَّ شَقَقْنَا الأَرْضَ شَقًّا فَأَنبَتْنَا فِيهَا حَبًّا وَعِنَبًا وَقَضْبًا وَزَيْتُونًا وَنَخْلاً وَحَدَائِقَ غُلْبًا وَفَاكِهَةً وَأَبًّا مَّتَاعًا لَّكُمْ وَلأَنْعَامِكُمْ‏}‏ ‏.‏

وقوله‏:‏ ‏{‏أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَسُوقُ الْمَاء إِلَى الأَرْضِ الْجُرُزِ فَنُخْرِجُ بِهِ زَرْعًا تَأْكُلُ مِنْهُ أَنْعَامُهُمْ وَأَنفُسُهُمْ أَفَلا يُبْصِرُونَ‏}‏، وقوله‏:‏ ‏{‏الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ مَهْدًا وَسَلَكَ لَكُمْ فِيهَا سُبُلاً وَأَنزَلَ مِنَ السَّمَاء مَاء فَأَخْرَجْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِّن نَّبَاتٍ شَتَّى كُلُوا وَارْعَوْا أَنْعَامَكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِّأُوْلِي النُّهَى‏}‏ ‏.‏

وذكر كثيرًا من ذلك في سورة النحل كقوله‏:‏ ‏{‏وَالأَنْعَامَ خَلَقَهَا لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ وَمَنَافِعُ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ‏}‏ إلى غير ذلك من الآيات‏.‏

‏{‏قَالَ مَا مَنَعَكَ أَلاَّ تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ قَالَ أَنَاْ خَيْرٌ مِّنْهُ خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ قَالَ فَاهْبِطْ مِنْهَا فَمَا يَكُونُ لَكَ أَن تَتَكَبَّرَ فِيهَا فَاخْرُجْ إِنَّكَ مِنَ الصَّاغِرِينَ قَالَ أَنظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ قَالَ إِنَّكَ مِنَ المُنظَرِينَ قَالَ فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي لأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ ثُمَّ لآتِيَنَّهُم مِّن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَن شَمَآئِلِهِمْ وَلاَ تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ قَالَ اخْرُجْ مِنْهَا مَذْؤُومًا مَّدْحُورًا لَّمَن تَبِعَكَ مِنْهُمْ لأَمْلأنَّ جَهَنَّمَ مِنكُمْ أَجْمَعِينَ وَيَا آدَمُ اسْكُنْ أَنتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ فَكُلاَ مِنْ حَيْثُ شِئْتُمَا وَلاَ تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيْطَانُ لِيُبْدِيَ لَهُمَا مَا وُورِيَ عَنْهُمَا مِن سَوْآتِهِمَا وَقَالَ مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ إِلاَّ أَن تَكُونَا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونَا مِنَ الْخَالِدِينَ وَقَاسَمَهُمَا إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ النَّاصِحِينَ فَدَلاَّهُمَا بِغُرُورٍ فَلَمَّا ذَاقَا الشَّجَرَةَ بَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِن وَرَقِ الْجَنَّةِ وَنَادَاهُمَا رَبُّهُمَا أَلَمْ أَنْهَكُمَا عَن تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ وَأَقُل لَّكُمَا إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمَا عَدُوٌّ مُّبِينٌ قَالاَ رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنفُسَنَا وَإِن لَّمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ قَالَ اهْبِطُواْ بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ قَالَ فِيهَا تَحْيَوْنَ وَفِيهَا تَمُوتُونَ وَمِنْهَا تُخْرَجُونَ يَا بَنِي آدَمَ قَدْ أَنزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَارِي سَوْآتِكُمْ وَرِيشًا وَلِبَاسُ التَّقْوَىَ ذَلِكَ خَيْرٌ ذَلِكَ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ‏}‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏قَالَ مَا مَنَعَكَ أَلاَّ تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ‏}‏‏.‏

قال بعض العلماء، معناه‏:‏ ما منعك أن تسجد، و ‏"‏لا‏"‏ صلة، ويشهد لهذا قوله تعالى‏:‏ في سورة ‏"‏ص‏"‏ ‏{‏قَالَ يَا إِبْلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَن تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ‏}‏ ‏(‏صا‏:‏ 57‏)‏ الآية‏.‏ وقد أوضحنا زيادة لفظة ‏"‏لا‏"‏ وشواهد ذلك من القرآن، ومن كلام العرب في سورة البلد‏.‏ في كتابنا ‏"‏دفع إيهام الاضطراب عن آيات الكتاب‏"‏ والعلم عند الله تعالى‏.‏ قوله تعالى‏:‏ ‏{‏قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِّنْهُ خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ‏}‏‏.‏

ذكر في هذه الآية الكريمة‏:‏ أن إبليس ـ لعنه الله ـ خلق من نار، وعلى القول بأن إبليس هو الجان الذي هو أبو الجن‏.‏ فقد زاد في مواضع أخر أوصافًا للنار التي خلقه منها‏.‏ من ذلك أنها نار السموم‏.‏ كما في قوله‏:‏ ‏{‏وَالْجَآنَّ خَلَقْنَاهُ مِن قَبْلُ مِن نَّارِ السَّمُومِ‏}‏، ومن ذلك أنها خصوص المارج‏.‏ كما في قوله‏:‏ ‏{‏وَخَلَقَ الْجَانَّ مِن مَّارِجٍ مِّن نَّارٍ‏}‏، والمارج أخص من مطلق النار لأنه اللهب الذي لا دخان فيه‏.‏

وسميت نار السموم‏:‏ لأنها تنفذ في مسام البدن لشدة حرها‏.‏ وفي صحيح مسلم عن عائشة رضي الله عنها مرفوعًا ‏"‏خلقت الملائكة من نور، وخلق الجان من مارج من نار، وخلق آدم مما وصف لكم‏"‏ ورواه عنها أيضًا الإمام أحمد‏.‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏قَالَ فَاهْبِطْ مِنْهَا فَمَا يَكُونُ لَكَ أَن تَتَكَبَّرَ فِيهَا فَاخْرُجْ إِنَّكَ مِنَ الصَّاغِرِينَ‏}‏‏.‏

بين تعالى في هذه الآية الكريمة‏:‏ أنه عامل إبليس اللعين بنقيض قصده حيث كان قصده التعاظم والتكبر، فأخرجه الله صاغرًا حقيرًا ذليلا، متصفًا بنقيض ما كان يحاوله من العلو والعظمة، وذلك في قوله‏:‏ ‏{‏فَاخْرُجْ إِنَّكَ مِنَ الصَّاغِرِينَ‏}‏، والصغار‏:‏ أشد الذل والهوان، وقوله‏:‏ ‏{‏قَالَ اخْرُجْ مِنْهَا مَذْؤُومًا مَّدْحُورًا‏}‏، ونحو ذلك من الآيات، ويفهم من الآية أن المتكبر لا ينال ما أراد من العظمة والرفعة، وإنما يحصل له نقيض ذلك‏.‏ وصرح تعالى بهذا المعنى في قوله‏:‏ ‏{‏إِن فِي صُدُورِهِمْ إِلاَّ كِبْرٌ مَّا هُم بِبَالِغِيهِ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ‏}‏ ‏.‏ وبين في مواضع أخر كثيرًا من العواقب السيئة التي تنشأ عن الكبر ـ أعاذنا الله والمسلمين منه ـ فمن ذلك أنه سبب لصرف صاحبه عن فهم آيات الله، والاهتداء بها كما في قوله تعالى‏:‏ ‏{‏سَأَصْرِفُ عَنْ آيَاتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَإِن يَرَوْاْ كُلَّ آيَةٍ لاَّ يُؤْمِنُواْ بِهَا وَإِن يَرَوْاْ سَبِيلَ الرُّشْدِ لاَ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلاً وَإِن يَرَوْاْ سَبِيلَ الْغَيِّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلاً ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا وَكَانُواْ عَنْهَا غَافِلِينَ‏}‏ ‏.‏ ومن ذلك أَنَه من أسباب الثواء في النار كما في قوله تعالى‏:‏ ‏{‏أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِّلْمُتَكَبِّرِينَ‏}‏، وقوله‏:‏ ‏{‏إِنَّهُمْ كَانُوا إِذَا قِيلَ لَهُمْ لا إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ‏}‏، ومن ذلك أن صاحبه لا يحبه الله تعالى كما في قوله‏:‏ ‏{‏لاَ جَرَمَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ الْمُسْتَكْبِرِينَ‏}‏، ومن ذلك أن موسى استعاذ من المتصف به ولا يستعاذ إلا مما هو شر‏.‏ كما في قوله‏:‏ ‏{‏وَقَالَ مُوسَى إِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُم مِّن كُلِّ مُتَكَبِّرٍ لاَّ يُؤْمِنُ بِيَوْمِ الْحِسَابِ‏}‏ إلى غير ذلك من نتائجه السيئة، وعواقبه الوخيمة، ويفهم من مفهوم المخالفة في الآية‏:‏ أن المتواضع لله جل وعلا يرفعه الله‏.‏